السيد الطباطبائي
191
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
والغرض في المقام بيان أنّ هذه الأصناف موجودات مفارقة للمادّة بين مثالي ومجرّد تامّ ، والبرهان المذكور في أوّل الرسالة يثبت هاهنا أنّ لكلّ من موجودات عالمنا المادّي مرتبة من المثال ومرتبة من العقل هما في طوله ، وهو المطلوب ، وفي الآيات والأخبار شواهد على ذلك . منها : قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ « 1 » . وقوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ « 2 » . وقوله تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى « 3 » . ومن المعلوم أنّ هذا القلب ليس المراد به اللحم الصنوبري المعلّق عن يسار المعدة ، بل هو الذي يفهم ويعقل وهو النفس ، فنزوله على القلب لا يستقيم إلّا مع كون وجود النازل مجرّدا في الجملة ، كوجود المعنى . وقوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 4 » ، ومثلها آيات اخر ، إذ ظاهرها أنّ إنزال الملك بلباسه الملكي ووجوده الملكوتي ملازم لقضاء الأمر ، وعدم الإنظار ، ودخول الناس في نشأة ما بعد الموت ، حتّى يتسانخوا ويتجانسوا مع الملائكة ، وتلك نشأة مفارقة للمادّة ، فوجود الملائكة منها فهي مفارقة .
--> ( 1 ) البقرة 2 : 97 . ( 2 ) الشعراء 26 : 193 و 194 . ( 3 ) النجم 53 : 11 و 12 . ( 4 ) الأنعام 6 : 8 و 9 .